محمد غازي عرابي
1184
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة القدر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة القدر ( 97 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 ) [ القدر : 1 ، 5 ] ليلة القدر تكشف قدر الإنسان ، وقدره عدم لقيامه باللّه ، فهو منه وبه وإليه ، وليلة القدر كشف الحجاب عن ليل الروح المتواري فإذا هو ظاهر ، وإذا الإنسان قد كوشف فعرف من هو ، ومن ربه ، وأين ربه ، وكيف يفعل به ، قال ابن عربي : كلما أراد العبد أن يتحقق بعبوديته حقر قدره إلى أن يلحق نفسه بالعدم الذي هو أصله ، ولا أحقر من العدم ، فلا أحقر من نفس المخلوق ، فسمى أيضا ليلة القدر لمعرفة أهل الحضور فيها بأقدارهم ، أعني بحقارتها ، مع أن الخير الذي ينالونه شر . ومتى شاهد الإنسان ليلة القدر صار إلى الآخرة ، وقامت قيامته ، وجاءت ساعته ، فهو قد انتقل من دنيا المظاهر والبوار إلى عقبى الدار ، وأي دار ؟ فيها يكشف كل أمر حكيم ، من قبل العليم العظيم ، فإذا الإنسان أمام الذات الكبرى هباء منثور ، وذر مذرور ، وإذا اللّه الظاهر والباطن ، والأول والاخر ، وإذا التناقض والتضاد في هذا التوحيد تمثيل ، وإذا هما نار موحدة ، رآها موسى ، فقال له ربه عندها : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ القصص : 30 ] ، فلا صراع بعد شهود ليلة القدر ، ولا مكابدة ، ولا مجاهدة ، ولا أسى على ما قد مضى ولا فرح بما هو آت ، فاللّه قد صار الولي ، ولي عبده المصطفى ، يقلبه ذات اليمين وذات الشمال ، وكلب نفسه باسط ذراعيه من قوتي الشهوة والغضب بالوصيد ، وإذا العبد الصالح قد قام من بين النيام في الكهف فخرج إلى الواقفين بالباب ، الراجين ، رحمة اللّه ، فبشرهم باليقين ، وانهمار ماء علوم الدين ، سلاما للسائلين ، سلام قولا من رب رحيم ، سلام قولا من رب رحيم .